الشيخ محمد الصادقي الطهراني
80
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وينهون عن المنكر ويتناهون عنه ، فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها فشاهدوا ما وراء ذلك ، فكأنما اطلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه ، وحققت القيامة عليهم عذابهم ، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس ، ويسمعون ما لا يسمعون . . . « 1 » . ولأن أصل الذكر هو في القلوب فخير الذكر هو في أوعى القلوب وكما قال لكميل بن زياد : « يا كميل ! إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها فاحفط عني ما أقول لك : الناس ثلاثة ، فعالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهَمَج رَعاع أتباع كل ناعق ، يميلون مع كل ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق - . اللهم بلى ، لا تخلو الأرض من قائم للَّهبحجة ، إما ظاهراً مشهوراً ، وأما خائفاً مغموراً ، لئلا تبطل حجج اللَّه وبيناته ، وكم ذا وأين ؟ أولئك واللَّه الأقلون عدداً ، والأعظمون عند اللَّه قدراً ، يحفظ اللَّه بهم حججه وبيناته حتى يوعدوها نظراءهم ، ويزرعوها في قلوب أشباههم ، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة ، وباشروا روح اليقين ، واستلانوا ما استوعره المترَفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى ، أولئك خلفاء اللَّه في أرضه ، والدعاة إلى دينه ، آه آه شوقاً إلى رؤيتهم ، انصرف يا كميل إذا شئت » . « 2 » « يا كميل بن زياة ! معرفة العلم دين يُدان به ، به يكسِب الإنسان الطاعة في حياته ، وجميلَ الأحدوثة بعد وفاته ، والعلم حاكم والمال محكوم عليه - . يا كميل بن زياد ! هلك خزان الأموال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة ، إن ههنا لعِلماً جماً لو أصبت له حَمَلة ، بلى أصبت لَقِناً غير مأمون عليه مستعمِلًا آلة الدين للدنيا ، ومستظهِراً بنعم اللَّه على عباده ، وبحججه على أولياءه ، أو منقاداً لحملة الحق لا بصيرة له في أحنائه ، ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة ، ألا لا ذا ولا ذاك ، أو منهوماً باللَّذة ، سَلِس القياد للشهوة ، أو مُغرَماً بالجمع والإدخار ، ليسا من رعاة الدين في شيءٍ شَبَهاً بهما الأنعام السائمة ، كذلك يموت العلم بموت حامليه
--> ( 1 ) . الخطبة 213 ( 2 ) . الحكمة 140 قال كميل بن زياد : أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فأخرجني إلى الجبَّان ، فلما أصبحو تنفس الصُّعداء ثم قال : . .